الإقطاع التقني
الإقطاع التقني (Technofeudalism)، هو مصطلح يُستخدم لوصف نظام اقتصادي حديث تتمتع فيه شركات التكنولوجيا الكبرى بنفوذ مماثل لنفوذ الإقطاعيين في الماضي. فبدلاً من الأرض، تسيطر هذه الشركات على المنصات الرقمية والبيانات والأسواق الإلكترونية. ويعتمد الأفراد والشركات الصغيرة على هذه المنصات، تماماً كما كان الفلاحون يعتمدون على الإقطاعيين في الحصول على الأرض والحماية.
نشأة المفهوم
طوّر العديد من المفكرين مفهوم الإقطاع التقني، إذ يرون أن الرأسمالية الرقمية تتجه نحو نمط جديد من السيطرة الاقتصادية. ومن أبرز الأصوات في هذا المجال يانيس ڤاروفاكيس، الخبير الاقتصادي ووزير المالية اليوناني السابق. ويقول إن هذا المصطلح يتجاوز كونه مجرد وصف ساخر لمركزية سوق التكنولوجيا. بل يراه تطوراً اقتصادياً تهيمن فيه بضع شركات على قطاعات رقمية تسعى إلى تحقيق الريع، متمثلة في مثل گوگل، أمازون، فيسبوك، وأپل، والتي تدعم اقتصاداً مدعوماً من البنوك المركزية الحكومية بدلاً من الربح والأسواق وعمالة السلع. وهذا يخلق تبعية صارمة بين الشركات التقليدية والحكومات ومنصات البحث عن الريع، وهو ما يمثل بدوره نوعاً من التراجع إلى شكل رقمي من الإقطاع. ولا تكتفي هذه الشركات بالتنافس في الأسواق، بل تملكها وتسيطر عليها، تماماً كما كان الإقطاعيون يسيطرون على الأراضي في العصور الوسطى.
ويستكشف الفيلسوف الفرنسي سيدريك دوران هذه الفكرة أيضاً في كتابه الإقطاع التقني: نقد الاقتصاد الرقمي (Technoféodalisme: Critique de l’économie numérique)، (2020)، حيث يصف كيف تستغل المنصات الرقمية المستخدمين والعمال والشركات لتحقيق الثروة دون منافسة حقيقية. ويزعم أن اقتصاد اليوم لم يعد قائماً على الرأسمالية التقليدية، حيث تتنافس الشركات، بل على نظام تهيمن فيه قلة من عمالقة التكنولوجيا على الفضاء الرقمي. وتربط باحثة أخرى، هي جودي دين، بين الإقطاع التقني وصعود "رأسمالية المنصات"، حيث لا يمتلك العمال والمستخدمون وسائل الإنتاج ولكنهم يعتمدون على شركات التكنولوجيا للوصول إلى العمل والروابط الاجتماعية وحتى الخدمات الأساسية.
يعتقد هؤلاء المفكرون أنه بدلاً من خلق إنترنت حر ومفتوح، قامت المنصات الرقمية ببناء نظام تتركز فيه السلطة في أيدي قلة، مما يجعل من الصعب على اللاعبين الأصغر حجماً تحقيق النجاح.
الخصائص الرئيسية
يتشابه الإقطاع التقني مع الأنظمة الإقطاعية القديمة في بعض الجوانب:
- السيطرة على المنصات - تمتلك الشركات الكبيرة وتدير منصات مثل وسائل التواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية، وتقرر من يمكنه المشاركة.
- الاعتماد على شركات التكنولوجيا الكبرى – يجب على الشركات والعمال اتباع قواعد المنصات لكسب المال، على غرار اعتماد الفلاحين على الإقطاعيين.
- ملكية البيانات - تقوم شركات التكنولوجيا بجمع واستخدام البيانات الشخصية، مما يمنحها مزيداً من السلطة على المستخدمين.
- المنافسة المحدودة – تهيمن بضع شركات على صناعات بأكملها، مما يجعل من الصعب على الشركات الصغيرة المنافسة.
أمثلة
ومن الأمثلة على الإقطاع التقني:
- العمال المؤقتون – السائقون الذين يعملون في تطبيقات مشاركة الرحلات أو خدمات التوصيل لا يملكون أماكن عملهم لكنهم يعتمدون على المنصات للحصول على الدخل.
- البائعون على الإنترنت - تبيع العديد من الشركات الصغيرة منتجاتها على منصات الإنترنت الرئيسية، لكن يجب عليها اتباع قواعد المنصة ودفع الرسوم.
- مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي - يقوم الأشخاص بإنشاء محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن المنصات هي التي تقرر من يراه ومقدار الأموال التي يمكن للمبدعين كسبها.
جدل
يقول بعض الخبراء إن الإقطاع التقني يجعل المجتمع أقل عدلاً لأن عدداً قليلاً من الشركات القوية تسيطر على معظم الأنشطة الرقمية. بينما يرى آخرون أن التكنولوجيا سهّلت الحياة، ووفرت فرصاً أكبر للشركات والأفراد. وتدرس الحكومات حالياً سنّ قوانين جديدة لتنظيم هذه الشركات وضمان المنافسة العادلة.
مستقبل الإقطاع التقني
لا تزال فكرة الإقطاع التقني حديثة العهد، ويتناقش الاقتصاديون حول ما إذا كانت ستحل محل الرأسمالية أم ستغيرها فحسب. ويعتقد البعض أن قوانين حكومية أكثر صرامة وتكنولوجيا جديدة قد تُسهم في خلق نظام أكثر عدلاً في المستقبل.
انظر أيضاً
المصادر
المراجع
- Durand, Cédric (2020) Technoféodalisme: Critique de l’économie numérique
- Varoufakis, Yanis (2023) Technofeudalism: What Killed Capitalism