تفسير دمب ملاط آن
نماذج من المثقفين القدامى (٢)
ْتَفْسِيرْ دِمْبَ مَلَاطُ آن
في القرن السادس عشر انتقل كُولِي تِنغِيلَّا (ت 1537)"مع جيشه من فُوتَ كِينغِي (أي فُوتَ القديمة) إثر مقتل والده تِنغِيلَّا جَاجِي للسيطرة على تكرور سنة 1512 وسمّاها فوتَ التي اشتهرت فيما بعد بفُوتَ تُورُ، وكان في المنطقة شيوخ ما زالت الذاكرة الشعبية تحتفظ بأسمائهم، وحسب الأستاذ أبو بكر خالد بَهْ فإن منهم من يعود إلى القرن الحادي عشر مثل الشيخ آيِلْ كَنْ (ت 1075) ومنهم من يعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي أمثال الشيخ جَمْ سِهْ وأولاده الذين أسسوا مواقد قرآنية في قرى مختلفة، وكانت المنطقة رغم توجهات الكيانات السياسية تضجّ بشيوخ كانوا يهاجرون أحيانا إلى المناطق المتاخمة لنشر الدين أمثال الشيخ حمّدِ جَهْ الذي سيعرف فيما بعد بالشيخ أمّر جه، ويذكر بسير جنغ في كتابه الشهير أنه كان شيخا لوالد الداميل أمّر نغوني سوبيل (ت 1593) ومندسِتْ فَالْ، كما يذكر البروفيسور تشيرن كَهْ أن لهذا الدَّامِيلْ نفسه شيخا فلانيا واسمه أَلِوْ بَارُو يستشيره في كثير من القضايا، ويعيد بعضهم سبب تسمية جد القاضي عمر فال ب: كُولِي إلى أن مندست تلقى ترحيبا واحتراما بالغين من قبل الملك كُولِي فسماه باسم مضيفه وفاء وإجلالا.. ولما أن احتلّ كولي تنغيلا المنطقة وجد أن لبعض الشيوخ نفوذا اجتماعيا كبيرا قد يسبب له بعض المتاعب فسعى إلى تضييق الخناق على بعضهم، وكان من هؤلاء الشيوخ تفسير دِمْبَ مَلَاطُ آنْ، ويذكر الشيخ موسى كَمرَ أنه "جاء من آنيامٰ غيدِ، وسكن مع أهل فوتَ فأحبوه جدا وأسلم جلهم لأجله وكانوا يعطونه القص من كل ذبيحة وأجرة الغسل للميت وأجرة الصلاة على جنازته ويعطيه كل دار منهم حملا من الزرع وقت الحصاد وحظا وافرا من الحليب في كل ليلة جمعة أو الاثنين، وعند كل عقيقة لمولود يعطي قص شاة العقيقة وصاعا من الزرع، ويعطيه كل مسلم يوم عيد الفطر صاعا وأعطوه حرثا ثانيا كافيا وقد التزموا له ذلك كله وهو قد التزم لهم تعليم أولادهم الصغار بعد تسميتهم بأسماء حسان عند العقيقة وأن يؤمهم في الصلوات في المسجد وأن يغسل ميتهم ويصلي عليه... " وانطلاقا من هذه العلاقة التي رسمها الشيخ موسى كَمَر فإن الشيخ كان له نفوذ اجتماعي في وسط المجتمع، بل ظلت هذه الوشيجة قائمة بين الشيخ ومجتمعه إلى يومنا هذا؛ مما جعل المجتمع يحكر وظيفة المثقف بالعربية في هذه المهام الضيقة وأصبح الواحد من الذين درسوا العربية يثورون على هذه العقلية، لكن هذه الرابطة ظلت تضفي على المثقف بالعربية هالة قدسية بحيث لا يُتحمَّل منه الخروج عن الأصل ولا تعاطي سفاسف الأمور ولا طرق أبواب الخنا، ومن جهة أخرى فإن معلم القرآن لم يكن يتقاضى راتبا -اللهم إلا في عهد دولة الأئمة- ذلك لأن المجتمع يشاركه في كثير من مقتنياته ويغتنم المناسبات ليقدم إلى الشيخ قطعة لحم أو صاعا من الزرع. ويواصل الشيخ موسى كمرَ: "ولما جاء كولي تنغيلا وملَك فوتَ كلها، وكان يمر عنهم في أسفاره إلى أن اتفق نزوله عليهم يوما مع جيشه، وقيل إنه نزل على العالم تفسير دمب ملاطُ (وملاط يعني السعيد بالفلانية) وقيل جاء إلى داره فقط بعد نزوله في منزله وفرشَ له تفسير دمْبَ حصيرا بسط عليه جلد ضأن مدبوغ فجلس عليه الأمير كولي، ثم إنه عزم على أن يصير العالم وأولاده وأزواجه أرقاء له وأمر بالقبض عليهم وسوقهم إلى داره فأخذوه وأراد الأمير كولي أن يقوم للرحيل فالتصق به الفراش ولم يجد منه مخلصا فنادى تفسير العالم وأحضره وقال له أنت الفاعل بي هذا... إن خليت سبيلي أتخلص؟ فقال نعم، فخلى سبيل تفسير وأهل داره فتخلص هو من التصاق الفراش به" ورغم ما في هذه الحكاية من بعد أسطوري يكاد يتكرر في كثير من الحكايات الأفريقية مثل حكاية سونجاتا كايتا المشابهة لحكاية لتسكابي بل يتكرر في حكايات الشيوخ كثيرا، فإننا نجد أن تفسير دمبَ إضافة إلى نفوذه الاجتماعي إنما يحمل علما سماويا يحميه من بطش الملك، ولعله لم يطمح أبدا في أن يكون مثقفا عضويا جديدا يحارب الملك، بل اكتفى بنشر الثقافة الإسلامية وتكوين جيل صاعد يقف دون رغبات الملك الجديد؛ مما يعني أنه لم يكن مجاهدا ولا مقاوما... ومهما قيل في وثنية ملوك دينيانكوبي وسطحية تديّنهم فإنهم ظلوا يتعاونون مع بعض الشيوخ - كما ذكر البروفيسور عمر كَنْ- حيث أسندوا إلى إلِمانْ ليوي إمامة المسجد وغسل من مات من الملوك والوزراء بمقابل مادي، كما أسندوا إلى إلْفِكِّ (الفقيه) تدوير العمامة على رأس الملك حين تنصيبه، ولعل كل هذه الممارسات لم تكن إلا إيهاما وعزفا على أوتار الشعب المسلم حتى يخيل إليهم أن الملوك كانوا على دينهم، ولعل ذلك لم يكن إلا وسيلة لرفع معنويات علماء السلاطين والحد من نفوذ الشيوخ الآخرين، ومهما يكن من شيء فإن تفسير دمب ملاط آن حسب اطلاعي هو أول من عرف من فُوتَ بلقب تفسير، وكان اللقب خاصا للذين تعلموا القرآن وهضموا فن التفسير، وأغلب الظن أنه لم يتلق العلم من شنقيط التي لم تكن تعرف هذه الألقاب، ويرى بعض المؤرخين أن القاضي عمر فالْ كان يلقب بتفسير، وإذا صح ذلك فإنه لم ينل هذا اللقب في شنقيط، وإنما ناله بعد تخرجه بفوت، وفيما يرى الخليل النحوي أن المحاضر بفوت امتداد لمحاضر شنقيط، فإننا انطلاقا من هذه الألقاب نرى أن فوت تأثرت من مراكز جنى وتنبكت أكثر، وأن مثقفيها في فترة من الفترات وضعوا بصمات فوتية على محاضرهم العلمية استفاد منها القاضي عمر فال، فانتشر في كجور مثقفون يلقبون بتفسير الذي حرف فيما بعد إلى تمْسير، وممن اشتهر بهذا اللقب تفسير بغل الذي كان واحدا من القيادات الأربعة الذين اقترحهم تيرن سليمان بال، وكان كتابه في التاريخ أقدم مكتوب في هذا الفنّ يعزو إليه سرى عباس صهْ كثيرا من المعلومات، بيد أن الكتاب قد ضاع. ويُذكر أن حاشية الإمام عبد القادر كنْ كانت تتضمن جملة من حاملي هذا اللقب، كما كان كثير من خريجي مدرسة بير يعودون إلى ذويهم حاملين هذا اللقب.